أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
511
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قال الشيخ « 1 » : « هذا المثال ليس مطابقا للحال من شيئين لأنّ لفظ « تحمله » لا يحتمل شيئين ، ولا تقع الحال من شيئين إلا إذا كان اللفظ يحتملهما ، واعتبار ذلك بجعل ذوي الحال مبتدأين ، وجعل تلك الحال خبرا عنهما ، فمتى صحّ ذلك صحّت الحال نحو : 913 - وعلّقت سلمى وهي ذات موصّد * ولم يبد للأتراب من ثديها حجم « 2 » صغيرين نرعى البهم يا ليت أنّنا * إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم فصغيرين حال من فاعل « علّقت » ومن « سلمى » لأنك لو قلت : أنا وسلمى صغيران لصحّ ، ومثله قول امرئ القيس : 914 - خرجت بها نمشي تجرّ وراءنا * على أثرينا ذيل مرط مرحّل « 3 » فنمشي حال من فاعل « خرجت » ومن « ها » في « بها » ، لأنّك لو قلت : « أنا وهي نمشي » لصحّ ، ولذلك أعرب المعربون « نمشي » حالا منهما كما تقدّم ، و « تجرّ » حالا من « ها » في « بها » فقط ، لأنه لا يصلح أن تجعل « تجرّ » خبرا عنهما ، لو قلت : « أنا وهي تجرّ » لم يصحّ فكذلك يتقدّر بمفرد وهو « جارّة » وأنت لو أخبرت به عن اثنين لم يصحّ فكذلك « تحمله » لا يصلح أن يكون خبرا عن اثنين ، فلا يصحّ أن يكون حالا منهما ، وأمّا « كافة » فإنها بمعنى « جميع » ، و « جميع » يصحّ فيها ذلك ، لا يقال : « كافة » لا يصحّ وقوعها خبرا لو قلت : « الزيدون والعمرون كافة » لم يجز ، فلذلك لا تقع حالا على ما قرّرت ؛ لأنّ ذلك إنما هو بسبب التزام نصب « كافة » على الحال ، وأنها لا تتصرّف لا من مانع معنوي ، بدليل أنّ مرادفها وهو « جميع » و « كل » يخبر به ، فالعارض المانع ل « كافّة » من التصرّف لا يضرّ ، وقوله : « الجماعة التي تكفّ مخالفيها » يعني أنّها في الأصل كذلك ، ثم صار استعمالها بمعنى جميع وكل » . واعلم أنّ أصل « كافة » اسم فاعل من كفّ يكفّ أي منع ، ومنه : « كفّ الإنسان » ، لأنها تمنع ما يقتضيه ، و « كفّة الميزان » لجمعها الموزون ، والكفّة بالضم لكل مستطيل ، وبالكسر لكلّ مستدير . وقيل : « كافة » مصدر كالعاقبة والعافية . وكافة وقاطبة ممّا لزم نصبهما على الحال فإخراجهما عن ذلك لحن . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 209 إلى 210 ] فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 209 ) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 210 ) والجمهور على زَلَلْتُمْ : بفتح العين ، وأبو السّمّال قرأها بالكسر ، وهما لغتان كضللت وضللت . و « ما » في « من بعدما » مصدريّة ، و « من » لابتداء الغاية ، وهي متعلّقة ب « زللتم » . قوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ : « هل » لفظه استفهام والمراد به النفي كقوله :
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 121 ) . ( 2 ) البيتان لقيس بن الملوح انظر ديوانه ( 238 ) ، الخزانة ( 2 / 171 ) ، البحر المحيط ( 2 / 121 ) . ( 3 ) انظر ديوانه ( 14 ) ، شرح القصائد العشر ( 85 ) ، الدرر ( 1 / 201 ) .